الجمعة، 27 مارس 2015

الطريدة /خيال علمي / ح 2


الطريدة 2

"الثامن عشر ابريل 1955 كان هو موعد الاستقالة النهائية من مجال العلم عند آنيشتاين فقد لفظ أنفاسه الأخيرة وهو ممسك بدفتره وقلمه العنيدين الذي رفضا الرضوخ لمحاولاته المريرة للتوحيد بين القوانين الكبرى للفيزياء بعد أن حطمت حضوره العلمي نظرية فتية مفعمة بالفوضوية، أنفق آنشتاين ملايين الدقائق في محاولة التوحيد ومات قبل حدوثه ."

أفاقت زينب من حالة الاندماج العالية مع الكمبيوتر الخارق وتذكرت أن لديها صديقين موجودان في نفس المكان .. التفتت بسرعة وخاطبتهما قبل أن يتحدثا :
-         نعم الأمر كما شاهدتما تماما .. وهو ممكن الحدوث وبشكل طبيعي، تحتاجان فقط أن تنالا قسطا من الراحة وتتركا الذعر البادي على وجهيكما وخصوصا أنت يا صديقي – و أشارت إلى محمود - .. ما يطلبه الموقف بشكل ملح هو البقاء هادئين وأن لا نترك أي فرصة لأي شخص أن يعرف بما بين يدينا .
ثم خاطبت الكمبيوتر
-         221221 أريدك الآن ان تعيد التشكل على تصميم فلاشة جيب .
وبطريقة سريعة اختفى الشكل السابق للكمبيوتر وتحول إلى فلاشة رمادية نحت عليها الرقم 221221 بشكل فني يميل لأسلوب الزخرفة العربية الأثرية ولفته الدكتورة في حقيبتها.
كان محمود يعي أن يومه ذاك هو أغرب يوم عاشه في حياته السابقة كلها ..  لقد سمع عن السفر عبر الزمن كمرويات خيالية ماتعة وعاش متعة القصص والأفلام التي شاهدها عن الانتقال الآني للأجسام.
خطى محمود خطوات بطيئة نحو الباب ثم عاد وسأل مصطفى عن مكان دورة المياه .. ثم تبع الإشارة في خطوات متثاقلة كمن لا يشعر بأي عضو منه واختفى في المنعطف الأيمن.

 همست الدكتورة زينب لمصطفى بصوت منخفض مسموع :
-         حاول أن تحافظ على صديقك في الوضع الصامت .. حاول أن تدعوه للإقامة معك لأيام ليساعدنا في مشروع إنقاذ المستقبل فثرثرته قد تفسد كل شيء .
كما أريد منك أن تعمل في معملك على تحضير حجيرة تغذى بنبضات مغناطيسية قوية بتردد سريع.
كان المعمل الصغير ،الذي يواظب مصطفى على إجراء أبحاثه التجريبية فيه، عبارة عن رواق وثلاثة غرف من الخرسانة العازلة للصوت في طابق أسفل الطابق الأرضي .. كان قطاعا معزولا بشكل كامل عن باقي المبنى.
تعود مصطفى إجراء بعض التجارب المتعلقة بمشروعه الهادف لتصميم بطاريات صغيرة تستخدم الطاقة النووية الضعيفة و يرى فيها ميزة توفير طاقة غير محدودة إذا ما نجح في بتصميمها بشكلها الآمن .. ولذلك صمم مختبره على ذلك المنوال المراعي للسلامة.
بدأ مصطفى بالعمل على تنفيذ طلب الدكتورة لتوفير الحجيرة المطلوبة في الغرفة رقم1 .. وكانت الدكتورة قد غرقت في التفكير على مقعد البيانو المعزول في أحد أركان الرواق ثم بدأت في قرع أزرار البيانو عازفة مقاطع صوتية متزايدة الترددات حتى الزر الأخير ثم تناولت الفلاشة من جديد ونادت باسم الكمبيوتر فعاد للتشكل من جديد وخاطبها دون مقدمات :
-         دكتورة زينب .. اريد تذكيرك أن النبضة المغناطيسية الشديدة قد تجعلني غير قادر على إجراء تواصل بينك مع حلقات العلماء وبالأخص عالمك المفضل "آنيشتاين"
ثم بدأ ببث فيديو معكوس على الجدار القريب فظهر العجوز آنيشتاين في مكتبة منزله بنيوجيرسي وهو يمشي ذهابا وجيئة وقد اشتد احمرار التبغ على رأس غليونه .. يبدو مرتبكا وقلقا ويقطع مشيته المضطربة حين يهم بتدوين ملاحظات على السبورة الكبيرة دوريا،
صاحت الدكتورة زينب في الكمبيوتر :
-         هل يمكن أن أكلمه ؟ !
-         ليس الآن
-         متى؟ !
-         .. حسنا! .. هذا الفيديو من 13 يوليو1945 وآنيشتاين يشعر بالاضطراب والخوف على مصير العالم والدموية التي وصلت لها الحرب العالمية الثانية .. هل تظنين أنه وقت مناسب للتواصل يا دكتورة ؟!
-         ليس مناسب فعلا .. تابع العرض فمشاهدته تجعلني أكثر الهاما وأنا فعلا بحاجة للإلهام في هذا الوقت بالذات ..
عاد محمود وانضم للدكتورة في ركنها وتابع الفيديو بصمت وقد زال الكثير من ملامح دهشته السابقة قبل دقائق .. وإثر محاورة مقتضبة مع الدكتورة فهم أن العرض ليس سوى نقل لحظي مباشر قادم من الماضي البعيد لأكثر شخصية حضورا في مجال العلم وأثناء متابعة العرض كانت الدكتورة توضح له كيف يمكن أن يحدث ذلك .. وفي تلك الحظة قرر العالم الكبير الجلوس وتناول قهوته المسائية ثم بدء بتصفح جريدته بترقب .. هنا توقف العرض فجأة .
اعتذر الكمبيوتر عن الانقطاع المفاجئ وبين أن النقل توقف بمشكلة متعلقة بالطاقة ، وفيما كانت الدكتورة تهز رأسها موافقة (رغم ما كانت تحاول اخفاءه من استغراب) أخبرهم مصطفى أن الغرفة جاهزة فحملت الدكتورة الكمبيوتر و مشى الثلاثة باتجاه الغرفة وفي داخلها وضعت الكمبيوتر على الطاولة في المنتصف .
نظرت الدكتورة في ساعة يدها وهاتفها فوجدتهما معطلان تماما ، وكان نفس الأمر قد حصل مع محمود ومصطفى .. هنا بدأت الدكتورة تدور بالطاولة وهي تردد بشكل مكرر سريع وبنبرة ساخرة عبارة "حسنا".. "حسنا" ! :
-         عزيزاي أتوقع أننا أمام حالة خداع معقدة مسافرة عبر الزمن .. هذا الكمبيوتر غير صادق حسب ظني في الكثير من المعلومات التي قدم .. لقد تمت برمجته بطريقة متقدمة جدا عما يمكن أن تتخيلاه ومن بين ما تمت برمجته عليه الخداع .. لذلك يضع كلمة "حسنا" كلما أراد أن يتصرف من خلال برمجته المعقدة في حياكة قصة كاذبة .. الكمبيوتر قدم لنا بعض الحقيقة لكنه يخفي الكثير مما عليه العالم في 2221 .. و "حسنا" هذه بالنسبة له هي كلمة مفتاحية للتصرف بالخداع لإخفاء المعلومات التي لا يرغب بمشاركتها معنا .. لذلك نحن في فخ خطير والمستقبل في فخ أخطر ربما .
-         ليس ما سأقوله بغرض إنكار ما قلته يا دكتورة فقد شاهدت أكثر الأشياء غرابة في حياتي تحصل اليوم .. لكنك أطلعت الكمبيوتر على اكتشافك الرائع هذا وهو متقدم علينا جميعا – قال محمود--
ردت الدكتورة بسرعة :
-         لا خوف من ذلك .. فالكمبيوتر الآن مصاب "بالصداع"، النبضات المغناطيسية تجعله في حالة خدر تام وربما تعطل .. علينا الخروج والتفكير في السيناريوهات المحتملة لحقيقة المشكلة التي نعاني منها الآن أو يعاني منها العالم في المستقبل .
أما بالنسبة لي فلدي حافز جديد على العمل بشكل أقوى على مشاريع لوغارتميات الدماغ .. لقد أوشكت على الاستسلام من حجم الاحباط الذي أحاطني به الجميع .

سحبت الدكتورة الكمبيوتر وهي تهم بالاحتفاظ به وطلبت الاذن من الصديقين الواقفين وعللت احتفاظها بالكمبيوتر بضرورة فحصه لمعرفة المزيد حوله . 

الأربعاء، 25 مارس 2015

الطريدة / خيال علمي / حلقة 1

الطريدة1
1
"في يوم ما من عام 1665 كان نيوتن يضع القوانين الآلية التي تحرك الكون المشاهد، لكنه كان غير راض بشكل نهائي عن نظريته لأنها لا تفسر حقيقة القوة المركزية التي كشف عنها، قضى السير اسحق نيوتن بعدها ملايين الدقائق في ممارسة أنشطة تميل للسحر واستحضار الأرواح وتعتمد الأفكار الشبحية"

كان محمود يراقب مذياعه الرمادي ذي الطراز القديم، الذي ربحه صباح ذلك اليوم من محل تجاري بوصفه أفضل زبون لذلك ، كان يراقبه عن كثب وقد أخذت منه الدهشة مأخذا كبيرا فهو أمام ظاهرة متفردة لم يسبق لشخص ما أن لاحظها أو جرب حدوثها .
لقد كانت الكلاندرية المعلقة على الجدار تشير إلى يوم 20 يناير 2021 بينما كان المذيع في المذياع يقدم نشرة اخبارية عن مجريات الأحداث التي حدثت يوم 20 ديسمبر 2021 .
فتح محمود كمبيوتره بسرعة محاولا اكتشاف تاريخ اليوم بشكل أدق من شبكة الانترنت فتبين له أن تاريخ الكلاندرية تاريخ صحيح فشعر بانقباض قوي أسفل المعدة وبدأت دقات قلبه تزداد بعنف شديد وبدأت عشرات الأفكار تغزو رأسه الكسول في سرعة واضطراب وفجأة تذكر زميله مصطفى الذي طالما وصفه بالمخبول.
مصطفى صاحب مختبر غريب يعطي انطباعا غريبا شبيها بالانطباع الذي تتركه المقابر الفرعونية في نفوس الزائرين حيث يمكنك أن تتوقع كل الغرائب في وكر الرعب والغرابة ذلك .. تناول محمود المذياع ولفه في قطعة جريدة وخرج يهرول من باب الشقة ولديه شعور أن هذا الشيء الذي يحمله ينتمي في غرابته للمكان الذي يعمل فيه صديقه مصطفى.
كانت دهشة مصطفى أكبر من محمود حين أعاد ضبط الراديو على عدة محطات زمنية "25/فبراير/2026" ... "17/يناير/2030"  ... وبدأ الصديقان يحملقان في بعضهما غير مصدقين لما يسمعانه ولوهلة فكر مصطفى بصوت مسموع :
-         هل من المعقول أن هذا حدث فعلا ؟!
اكتمل تصديق محمود بحدوث الأمر ولم يعد يخالطه ذلك الشك المخيف الذي شغله طول الطريق في أنه يتخيل كل شيء، ثم بإلحاح بدأ يستجدي توضيحا من مصطفى الذي لديه علم عميق بأشياء كثيرة من بينها علم الفيزياء :
-         ماذا يحدث ؟ ... اخبرني بالله عليك يا مصطفى .
وفي اضطراب مشوب بالريبة تتابعت كلمات مصطفى بتراخي وحذر :
-         يبدو أن هذا الراديو يلتقط إشارات أثير مستقبلية !
بدا الأمر أقل غموضا لمحمود فهو كان يستمع قبل قليل لنشرات إخبارية لا تنتمي لأي زمن ماض أو حاضر... ولعله لم يكن ينتظر هذه الإجابة.
-         نعم يبدو الأمر كذلك .. لكن كيف ؟!
وحين أكمل محمود سؤاله كان مصطفى قد جلس على كمبيوتره الخاص وبدأ بطباعة رسالة مسرعا ومضطربا على البريد الالكتروني .
-         إن كان هناك أمر ما يمكن فهمه في هذا العصر يخص هذا الجهاز فسنعرفه من خلال الدكتورة زينب .. ثم تابع مصطفى ..
الدكتورة زينب هي إحدى العقول المتطرفة في علوم الفيزياء والرياضيات وقد مارست هوايتها الغريبة والغير مقبولة بمعنى ما في المجتمعات العلمية مما جعلها شبه منبوذة بسبب طموحاتها الغير مقبولة لدى "بسطاء" العقول – كما تسمي هي نفسها المجتمع العلمي - .. ذات عشاء قابلتها وتعرفت عليها، أخبرتني عن مشروعها العلمي الكبير! .. وهو غريب نوعا ما فهو متعلق بصيغ رياضية لعمل الدماغ البشري وتطلق على المشروع "لوغاريتمات الدماغ"  .
-         لا يبدو لي مشروعا غريبا خصوصا لك أنت ــ قال محمود وهو يبتسم في حذر ــ
-         نعم يبدو عاديا!،  لكنها لا تقصد الدماغ البشري اليوم فقط .. فاللوغارتمات التي تحلم بها الدكتورة زينب ترسم خريطة دماغية بدلالة الزمن متوقعة لقدرات الدماغ البشري على مدى ألف عام في المستقبل .
هنا عادت لمحمود بلاهته المعهودة وصاح :
-         ألف عام !!!  .
-         نعم .. ألف عام! ولا تعتبرها الدكتورة غريبة بدرجتك هذه، فهي تطمح للوصول إلى أبعد من ذلك ، ربما مليون عام .
في تلك اللحظة كان منبه البريد الالكتروني يطن طنينا خفيفا وفتحت رسالة رد أوتوماتيكية:
"لقد حددت موقعك وأنا في الطريق"

تابع مصطفى باهتمام وبحركات أنيقة فيما استمرت علامة البلاهة تزيد في نظرات محمود :
-         تعتقد الدكتورة اعتقادا غريبا آخر وهو أن الكثير من الأشياء التي نقوم بها اليوم أو نكتشفها أو تدخل في مجالات العلوم خصوصا تلك القفزات القوية والنظريات الجريئة ليست سوى معلومات قادمة من المستقبل بطريقة مقصودة .. أي أننا نخترع الأشياء لأن أحفادنا المستقبليين وجدوا طريقة ما لإرسال معلوماتها أو تسهيل فهمها لنا.
-         مجنونة !
-         لكن جهاز الراديو يقول شيئا غير ذلك !
دخلت الدكتورة زينب مسرعة ولازالت على رأسها قبعة الحماية الخاصة بالدراجة وصاحت مع دخولها طالبة رؤية الراديو .. كان محمود في ذلك الحين يقترب مادا يده محاولا مصافحتها وقد حمل مصطفى الراديو اثناء ذلك فيما مرت الدكتورة بسرعة متجاهلة مصافحة محمود وانتزعت الجهاز من مصطفى وبدأت في تفحصه بشكل مكثف ثم تمتمت بملاحظات غير مسموعة !
-         هذا ليس راديو .. هذا كمبيوتر مستقبلي – قالت الدكتورة -
-         هل يمكن توضيح ذلك اكثر؟ ــ قال مصطفى ـــ
-         نعم بالتأكيد ... هل يمكن أن تناولني مقعدا لو سمحت .. حسنا، انظر .. كامرتين بمجموع زوايا 720 درجة وهو ما يعني لفة زمكانية .. ليس هناك مزود طاقة .. لا بطارية .. ولا مكان للشحن .. لكن هناك خرطوما داخليا بنهاية مدببة مع بطانة محول .. الكمبيوتر يتقن استخدام الطاقة المظلمة الكمومية .. هذا الشكل ليس الشكل النهائي للكمبيوتر والوحيد.
كان محمود يهز رأسه في بلاهته الموهمة بفهم ما يقال ، ثم سأل كمن وجد نقطة معتمة عصية على الفهم في شرح الدكتورة :
-         مادام كمبيوترا من المستقبل فأين لوحة المفاتيح ؟
التفت الدكتورة وحدقت فيه من فوق نظاراته:
-         لماذا لوحة المفاتيح ؟! .. الكمبيوتر المستقبلي بإمكانه الكتابة بتلقي النصوص تسجيليا .. الآن لنعد تشغيله ولننظر ماذا قد نجد أيضا ..
بدأت الدكتورة بتقليب الجهاز باحثة عن زر التشغيل وحدثت مفاجئة كبيرة بصدور صوت مفاجئ من الكمبيوتر:
-         أهلا دكتورة زينب ..  منذ ثلاثة أيام أبحث عنك .
عاد الذهول من جديد لمصطفى ومحمود وظلت الدكتورة منتصبة في مكانها دون أن تتغير تعابير وجهها وبدأت في التحادث المباشر مع الكمبيوتر :
-         هل يمكنني معرفة ما اسمك ؟
-         اسمي 221221 أنا الكمبيوتر الأول من نوعي
-         كيف عثرت علي ؟
-         كانت البداية من المنزل 5 من القطاع ب في مدينة الخرطوم العلمية ، يبدو أني وقعت في خطإ حسابي طفيف فقد أكدت حساباتي أنك متواجدة هناك الآن وحين وصلت وجدت أن هذه المدينة العلمية العظيمة لم يتم بناؤها بعد، كان علي اعادة فحص كل قواعد البيانات على الأرض لوضع خطة للوصول إليك .. عثرت على صور كثيرة لك وعدة ارتباطات مع الكثير من صلات الربط الممكنة لذلك حددت الطريق الأمثل عن طريق محمود الذي يحب جمع الأشياء العتيقة ثم مصطفى صديقه الذي تربطك به اتصالات سابقة فقد أثرت فيه بشكل عميق بأفكارك ودراساتك التي يظنها غريبة وحالمة... اخترقت قائمة المبيعات في أكثر متجر يتردد عليه محمود ووضعت رقمي التسلسلي في قائمة المبيعات العتيقة ثم على نفس المنوال حددت رقمي التسلسلي كجائزة لأحسن مشتري من المتجر لذلك العام ، وعن طريق الانتقال الآني كنت في المكان و الوقت المناسبين وعلى شكل مذياع عتيق .. وكنت راضيا بنسبة 50% حين كنت بين أشياء محمود وبدأت بتمثل النشرات الاخبارية المستقبلية التي جعلته يرتعب ثم يبحث عن الإجابات من صديقه مصطفى الذي سيلجأ إليك فأنت الوحيدة التي ستستمعين لهذه القصة الغريبة ! .
-         مبهر .... ما  هي مهمتك ؟
-         نعم ؟ .. حسنا!، يبدو أن المجال المغناطيسي للأرض سيدخل مرحلة الحرج الكارثية مع منتصف القرن الثالث والعشرين .. وهذا المجال -  كما تعلمين –  لو تضاءل أو اختفى سيجعل الأرض فرنا ساخنا بسبب عبور أشعة الرياح الشمسية للغلاف الجوي وستكون الحياة مستحيلة، كما سيسبب قبل ذلك وفي اللحظات البدائية له تشويشا كاملا على كل الأجهزة الألكترونية مما يعني بالمجمل غياب العلم .
-         كيف يختفي المجال المغناطيسي إذا كان يعتمد على الحديد والنيكل المنصهران في قلب الأرض، واللذان يعتبران أكثر المعادن استقرارا وثباتا ؟
-         ..حسنا!  أنت تعلمين حالة الجشع التي تميز الانسان والتي تستمر في الزيادة دائما كلما عرف أكثر .. لقد تأسست شركات تمتلك تكنلوجيا متقدمة في استخراج المعادن من نواة الأرض والتي كان الذهب والنحاس فيها مركزان بشكل كبير على عكس ما هو متوقع .. ولقد دمرت تلك الاستخراجات المتكررة والغير مراقبة توازن المجال المغناطيسي الطبيعي للأرض ، وحلت الكارثة
-         بماذا يمكن أن أساعد ؟ !
-         ..حسنا! لقد أرسلنا عدة حواسيب لعدة علماء عظماء  في التاريخ ممن يمكنهم فهم ميكانيزمات السفر عبر الزمن ، أي علماء ما بعد النظرية النسبية بمن في ذلك آنيشتاين نفسه ..
نعم نحن نعرف مدى شغفك بهذا العالم لذلك هذه فرصة كاملة للتواصل معه صوتا وصورة فهو الآن جالس في مكتب براعات الاختراع بسويسرا ويحاول صناعة العظمة عن طريق نظرياته المجنونة التي تشبه لوغاريتمات الدماغ الخاصة بك .
أما ما يمكنك أن تساعدي به فهو الاستشارة على أن اخبرك بالتفاصيل فيما بعد.
كم هو بديع أن كل جهود العلماء الكبار على مدى قرنين ستصهر في مشروع علمي كبير لإنقاذ الأرض .. أليس هذا أمر مذهلا !.
-         مادام الأمر كذلك ..  فسأكون مسرورة بمشاركتكم في مشروعكم العظيم بعد دقائق من الحديث مع آنيشتاين.

-         حسنا لا يمكنك الحديث معه الآن لكن سأعرض لك نقلا مباشرا من جولاته في مكتب شقته بزيورخ وهو يحاول كشف الغموض عن نظريته العظيمة.

الخميس، 1 نوفمبر 2012

أثر الفراشة - قصة قصيرة -







الموظف في وزارة الداخلية "عبد الرحيم " مصاب بمرض عصبي غامض ليس بالخطير رغم ذلك لم يجدوا له أي مثيل في الارشيف وجميع الكتب الطبية لم يجدوا له أي تصنيف في المستشفى الجامعي بسوسة "فرحات حشاد"
الأستاذ في علم الأعصاب "البروفيسور السرياطي" أطلق على الحالة ، "متلازمة عبد الرحيم" .
عبد الرحيم هو شخص نحيف أسمر ذو ملامح موريتانية قوية وحضور فكاهي تقليدي ، يجمع مجامع الكلم في حسانية الأجداد ذات الطابع نصف الغامض والأسلوب الرصين المنتظم على نسق السيمفونيات الكلاسيكية ، وهو خريج معهد مهني في تخصص النجارة دخل الوزارة مع دخول قريب له على قمتها، إنها الطرق المعهودة للإكتتاب في أي وزارة كما يعلم الجميع ، ليس شخصا سيئا بالمرة بل هو جاد وحاد الذكاء ذا خبرة فطرية في الديكور وتنظيم الأشياء ، ساعده ذكاءه وتطوره وأخلاقه الاجتماعية المثالية مع الجميع في التسلق سريعا إلى عامل مقرب في مكتب مساعد الوزير للشئون الأمنية "أعمر ولد أبوه"  .

المرض الغامض والعمل فرضا عليه ظروفا خاصة من العقاقير المنومة لتفادي الأرق ، فكلما تجاوز عبد الرحيم منتصف الليل أصيب بنوبات اغماء مما يكلفه رقابة طبية ليومين على الأقل يترك فيهما العمل ، الجميع يعرف طبيعته ولذلك فهو يقوم بالأعمال المكتبية ذات الطبيعة الثابتة كالأرشفة، وفي المكتب مجموعة من العمال بعضهم ذا حس ومظهر أمني وبعضهم دخل لأسباب أخرى كحامد .

حامد ، الضابط السابق ، لم يتقاعد فلا زال دون سن الأربعين لكن تحولا طارئا حصل في حياته المهنية نقله إلى سلك الشرطة فهو مهندس معلوماتية متميز اكتُتِب كضابط في الشرطة إبان ضبط الحالة المدنية وظل بعد انتهاء الإحصاء يعمل كضابط شرطة وهو مالم يتدرب عليه يوما فتحول الى ضابط شرطة سيء المهارة لا يحسن التعامل مع القضايا الطارئة تم فيما بعد تحويله إلى مكتب مساعد الوزير على قسم الكمبيوتر ، واعتبر نفسه أخيرا ظفر بالراحة والبعد عن ذلك الجهاز الكريه بالنسبة له وهو جهاز الشرطة .
حامد رجل عملاق بكرش كبيرة جعلته يحضر دوام العمل بالدراعة ـ دائما ـ ، بعينين جاحظتين رغم قطع الشحم البارزة أسفلهما، وشعر غير منتظم أسفل الأذنين مرورا بلحية على نفس النسق في شكل غريب ونادر تذكرك بلحية المغولي ، لاتوجد فيه أي ملامح موريتانية ولا يمكن أن تتخيل عنه ذلك حتى تحدثه ، حتى وهو يرتدي الدراعة يذكرك بالسياح الذين يريدون تجريب كل شيء في البلد من الدراعة واللثام مرورا بالأسفار على ظهور الجمال عابرين الصحراء الشاسعة ..
حامد يواكب الحضور يوميا في الوقت المناسب ويقوم بأعمال اعتيادية كرعاية البرامج ورقابتها وتطويرها ـ أحيانا ـ أو كمستشار في تطوير البرامج التي تعتمد عليها وزارة الداخلية بشكل عام ، وأحيانا يتناول الشاي مع المساعد ، أو يتصفح الجرائد ويحلل ما يحدث في خياله ، لديه عمل آخر وهو إيصال رسائل "مساعد الوزير" التي  لا يمكن قول فحواها في الهاتف ، كل شيء يمشي بروتين محكم شيئا ما .

"علي" مراهق بدأ يثور على سلطة البيت ويخرق القوانين الصارمة في عدم التأخر أو المبيت مع الأصدقاء وبعد صراع طويل وحرب كلامية و تعنيفية  شرسة من الأب تمكن أخيرا من تطويعهم على قانون الدخول والخروج الغير مشروط في الوقت المريح بالنسبة له ، تعودت والدته وضع العشاء في الركن الجنوب الشرقي من المطبخ .
"كمبه" فتاة زنجية عشرينية تتمتع بجمال "البولار" الأصيل قادمة من الريف رفقة أمها السيدة المطيعة التي نزحت من قرية ريفية بعد غزو حمى الإيبولا الذي أودى بحياة الزوج وثلاثة أبناء وفقر مدقع أنتزعها من تلك الجذور التي مضى على تسلسلها مئات السنين في النجع المتواصل وتنمية المواشي ، النازحون من الريف دائما يبحثون عن الحياة في نواكشوط ، حين قدمت بتلك الفتاة الصغيرة كمبة كانت لا تعرف كيف تستمر في الحياة ومع الزمن وتراكم المغامرات اكتشفت موهبة الصباغة وصارت إحدى أهم صباغات الثياب بأنواعه في مقاطعة لكصر وتحولت موهبتها إلى دخل يكفي قوت العائلة ، لكنها في الفترة الأخيرة أصيبت بقصور في القلب ،
 فيما شقت "كمبة" طريقها واعتمدت على نفسها –كعادة "الهالوبولار" - هي الأخرى واختارت العمل كخادمة منزلية في بيت عائلة "علي" ، وهي متزوجة من شاب كادح يدعى "السالك".

السالك شاب خفيف السمرة يعمل سائقا لشاحنة كبيرة وقديمة لنقل شحنات الأدوية لـ - الشركة الموريتانية للأدوية - ، و أثناء عودته عصر الخميس تعطلت الشاحنة العملاقة ـــ على ظهر الطريق ، حاول رفقة مساعده اصلاحها دون جدوى وفي حدود السادسة وصله اتصال من كمبة ،،، قرر مباشرة أن يدع الشاحنة تحت حراسة مساعده على أمل العودة العاشرة ليلا رفقة ميكانيكي .

الغوث ولد السيد ، وزير الصحة الفاسد وهو أحد الشخصيات ذات النفوذ منقطع النظير، فهو يمسك الكثير من الخيوط في عدة مناطق حساسة من صنع القرار في الدولة و أختار ـ بنفسه ـ وزارة الصحة كي لا يتعرض للمشاكل الكبيرة كنوع من التقاعد المريح والقرب من إدارة تجارته الآمنة في الأدوية – المزورة أحيانا – فأكبر شركات استيراد الأدوية هي - في الظاهر ملك- لعامله عليها "ورجل الأعمال الخليل "  وتدعى – الشركة الموريتانية للأدوية- .
كان "الخليل" على الطرف الآخر في فندق "ميتروبول" بمدينة شانغهاي يهز رجله بفارغ الصبر يعد الرنات قبل أن يفتح أمامه الوزير الخط ، كان فحوى الاتصال حول محاولة اقناع الوزير بقبول صفقة لحمولة من المضادات الحيوية الرخيصة – المزورة- بحجة أن ربحها يصل 1500% وان تأثيراتها العكسية ـ حسب الخبيرــ محدودة الخطورة ولا تصيب في الغالب إلا مرضى قصور القلب ..... وتمت الصفقة .

صباح يوم الأربعاء كان أعمر "مساعد وزير الداخلية" يخرج كل هنيهة ليسأل عن حامد ، وحين تأكد أنه  لن يأتي اليوم بسبب وعكة صحية جعلته حبيس الفراش كان الوقت  قد وصل بعد الظهر، صادف عبد الرحيم عند خروجه النهائي من المكتب ليظهر ابتسامة من وجد حلا للغز ما ، هنا عرف عبد الرحيم أنها مهمة وفعلا كانت كذلك فقد ناوله ظرفا يحوي رسالة تسلم عاجلا الى وزير الصحة في مكتبه اليوم أو غدا صباحا .
كان "أعمر" وهو أحد رجال "الغوث" في وزارة الداخلية يملك قصرا في مدينة أنواذيبو وهو قصر بمقاييس لهو خاصة جدا ، حيث تعود "الغوث قضاء عطلة نهاية الأسبوع عنده في جو مليء بالقمار والنساء ، حيث يجتمع العشرات من نخبة النخبة من أجانب وموريتانيين في أجواء تشبه مدينة الملاهي الأمريكية "لاس فيغاس" ، لكن هذه المرة بالذات هناك تغيير طرأ حيث كلف "الرئيس" أعمر بسفر عاجل مساء الأربعاء إلى المغرب .
كانت الرسالة تحوي مكان مفتاح القصر ، وصل عبد الرحيم وزارة الصحة لكن الوزير لم يكن هناك مما دعاه للتفكير تلقائيا في الاحتمال الثاني وهو العودة باكرا وتسليم الرسالة . 

على تمام السادسة والنصف من يوم الأربعاء تلقت "كمبة" اتصالا هاتفيا بينما كانت غارقة في تنظيف المطبخ تخبرها عن نقل أمها إلى الحالات المستعجلة بعد تراجع في الحالة الصحية العامة بسبب عقار مضاد حيوي مزور ــــ على مايبدو ــــ ، سقطت المكنسة من يدها وخرجت مهرولة فيما بقايا من الماء على الجانب الجنوبي الشرقي من المطبخ .

بعد منتصف الليل كان "علي" يتحسس الجانب المعتاد حيث يوضع له العشاء عادة فيما فوجئ بقطة تحاول الفرار ، ارعبه المشهد للدرجة التي فقد فيها التوازن فمر رجله على مكان زلق فسقط سقوطا حرا جعل ارتطامه بالبلاط قويا ، قفزت الوالدة مذعورة لتجد الولد مغشيا عليه والدماء تغطي مكانا معتبرا ، أطلقت صيحة الأم المفجوعة حتى التف حولها الجيران ومن بينهم "عبد الرحيم" الذي عاد مذعورا بسرعة إلى سيارته و اخذ العائلة بسرعة إلى المستشفى وبات الأرق رفيقه لليلة كاملة حتى أذن الفجر كان النوم يغزوه بدون موعد و لا رغبة منه فسقط على الكرسي . 

في الساعة الواحدة زوال يوم الخميس كانت سيارة وزير الصحة ذات الدفع الرباعي على الكيلومتر 51 من نواكشوط متجهة إلى أنواذيبو رفقة تكييف وأنغام هادئة من مقطوعات كلاسيكية تصيبه بالنعاس عادة .
في الساعة الخامسة كان الغضب يتملكه ووعود العقاب تصارع فكره فقد وجد القصر مغلقا لأول مرة منذ بداية برنامج الترفيه الآمن هذا ، وفي أجواء الشحن والغضب أصدر أوامره للسائق بالعودة مباشرة الى نواكشوط.

في الساعة السادسة من مساء الخميس كانت كمبة في حالة اضطراب كامل حين فتح "السالك" الخط كانت منهارة بالبكاء والنحيب فأعز شخص في حياتها قد غادر قبل دقائق ، أكتفت فقط بكلمة "لقد ماتت !" وانقطع الخط ، توقف السالك مباشرة من محاولة اصلاح شاحنته وعلى عجل جعل قصة العطل عذرا ليصل نواكشوط بسرعة ليكون بجانب زوجته وليعرف أساسا ماذا يحدث !
التاسعة ليلا من يوم الخميس كانت سيارة الدفع الرباعي تسير بسرعة خيالية يوبخ الوزير سائقها على البطء فيما كانت أصوات الارتطام تصم الآذان ، توقف الزمن قليلا قبل أن يكتشف الوزير لحظته قد حانت ، سيارته ارتطمت بالشاحنة الواقفة على الطريق دون إشارة ضوئية في ظلام دامس كان الوزير يتحسس وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة قطعا من الأدوية التي تدخل في شحنات صفقته الأخيرة . 

الكثير من وسائل الاعلام وضع عناوين من هذا القبيل "حادث مؤسف لوزير كبير" ، "موريتانيا تفقد ابنا بارا" ، "وزير الصحة إلى مثواه الأخير" .
شخصيا أختم هذا التحقيق بهذا العنوان " قطرة ماء على اسفلت مطبخ تقتل وزير الصحة" ، "دواء مزور يكون سببا في موت بائعه"

تحرير : "خ.س" ، من صحيفة "ت.ف"


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عام 2012 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السبت، 29 سبتمبر 2012

سقوط الملك




لم يبقى حوله إلا الفارس شاهرا سيفه متقمصا شكل الواثق الذي تدرب جيدا عليه في جو مفعم بلغة العيون و الإيحاءات ، إن كان الفارس قد تدرب جيدا على تقمص الشخصيات الواثقة المتفائلة في أسوء الظروف فهو أيضا تعود مع مرور الزمن على لغة الإيحاءات ، لقد قرأ في عيون الملك الآتي :
" لم يبق من قواتنا إلا كتيبة الفرسان اليمنى وليس لديها إلا خطا مناورة فيما الخناق يزداد حدة عليه ، قوات الوزير تقترب من اليمين والفيلة التي ترصد الرقع السوداء تراقب الرقعة اليسرى القريبة ، فيما يحرس الفارس الرقعة البيضاء الواقعة يساري .
في السابق كان صف الجنود الأول يلقي ترنيمة العزة المعتادة التي تحوي تمجيدي ومنعتي ، كم كان منظرا رائعا ومشبعا بالسلطة والقوة والسمو ، لا أشبع منه أبدا !
كان لدي كتيبتا فيلة مهيبتين رائعتين موزعتين بتخصص يشعرني بذكائي المميز إلى رقعتين سوداء و بيضاء تحرسان أربعة كتائب من الجنود التي تحرس عظمتي ........ "
هكذا كانت عيون الملك الممتلئة بالحسرة والرعب .
لم يكن الفارس يملك الوقت الكافي لقراءة عيون الملك حتى النهاية فأمامه أربع مناورات حتمية تفضي إلى نتيجتين حتميتين : إما أن يموت أو يموت الملك قبله ، وحين تكون الخيارات حتمية فإن أصعبها وأكثرها إيلاما هو البقاء قيد الحياة كما هو واجبه ، وهو أن يناور غير بعيد في نقاط محدودة إلى آخر لحظة .
  تنهد في مقاومة شرسة لليأس " ما أصعب هذا !"
هكذا الملك في اللحظات الأخيرة ، تذكر بالأمس القريب آخر تقرير ينبئ بضرورة تقليل قوات الحراسة الشخصية التي تعطل كتيبة الفيلة وكتيبتي الفرسان وثلاث كتائب من الجنود ، رغم أن الجميع أقنعه بضرورة المناورة بهم او حراسة الاماكن اللوجستية الهامة للملكة لكنه كان يرد مزمجرا في غضب :
" لن أفعل فأعدائي كثر والناس يكرهونني لأنهم أغبياء وحاسدون حقيرون ، لم يكرهوا أبي لأنه كان غبيا مثلهم ، كان يجالس الحداد والجندي ويحط من منزلته ولم يهتم بأمر الحراسة حتى زاره سهم من هؤلاء الهمج ...... او احد الغزاة ، أما انا فلن أتخلى عن حرسي الشخصي لأن الغزاة يقومون بهذه الغارات كل عام ليستحوذوا على مزارع سخيفة ويعودون تحت خوفا من الصقيع الذي يحولهم إلى جيف كالدجاج المريض  ، انا لا أخاف علي من الغزاة ، أنا لا اخاف من غدر هؤلاء الرعاع الهمج لأن بعضهم لم يعرف مكانته الحقيقية أو مكانتي بالنسبة له "
لكنها لم تكن لأجل المزارع هذا العام ، وحتى الغزاة لم يكونوا نفس الغزاة كل عام لقد ضربوا حرسه الشخصي في لحظة سكر فيما كانت كتيبة يقودها الوزير تعمل المستحيل لاختراق صفوف الغزاة غير آبهة بتنظيم الجبهات الداخلية لأنها سلطة الوزير هناك تشبه سلطة المهرج ، لقد قرر أخيرا أن لا يقودها أحد وأن يستمر في المناورة حتى يجد ثغرة في الرقعة الواسعة فيختار بلدا آخر يقدر عظمته ، تلقى الكثير من رسائل الاستعطاف والتهديد من الملك لكنه قد قرر سلفا أن لا عودة ، هناك يتقلب الملك المدلل على الجمر غضبا أن وزيره عصى أمره للمرة الأولى فقرر الإيقاع به ودس شخصا في كتيبة فرسان الغزاة الثانية كدليل إلى حيث يوجد الوزير ، ولم يبقى للوزير المسكين إلا لحظات يقظة على فزع يندب فيها السنين التي كان فيها وفيا لملك سيء وفاسد .
كانت تقارير أخرى توقظ الملك من خمرته وسهراته الحمراء فيرمي قناني الخمر على النذير ويأمر بقتله فلا أحد يفسد حفلة الملك كي يخبره بمقتل جميع أفراد جنود المشاة والحرس الشخصي من الفيلة وسقوط القلاع ، كان يصيح بهستيرية وخوف هناك الفرسان والشتاء لكن الوقت كان قد انتهى ، افاق من سكره للمرة الأخيرة على رماح قلاع العدو التي تصل مد البصر وعلى فيلة العدو التي تحرس الرقعة السوداء الى اليسار وفرسان العدو تكمن في الرقعة البيضاء الى اليسار فيما تم احتلال الرقع الأخرى من قبل الوزير .
في حياة بعض الملوك ينقسم الزمن إلى مرحلتين متعادلتين تعكسان نفس العمق ، الأولى : عمر من السطوة الغير محدودة والعنجهية والقوة التي تشعره بخلودها وعالمه اللانهائي في عقله ،و الثانية : لحظة السقوط حين يتلاشى كل شيء وتختفي كل الفرص إلى الأبد.



ــــــــــــــــــــــــــ عام 2012 ــــــــــــ

الثلاثاء، 22 مايو 2012

بائعة الليل

-->


في الليلة التي صادفت طلوع البدر في ابهى حلله كانت تتعثر في الطريق الضيق مأسورة بسحر النور الخفيف النادر عائدة إلى البيت بعد منتصف الليل بقليل تسابقها الأحلام بليلة أخرى إلى حيث العش اللطيف الذي أعدته قبل عشرين سنة بعد زواجها بعام واحد في الجنوب الشرقي من مدينة كيفه حيث الأغلبية هناك أناس فقراء جدا .......... 
تعود كل ليلة مثقلة بالتعب رفقة العائدات القليلة لتجارتها التي اختارت لها مكانين في وقتين مختلفين ، اختارتهما بذكاء فطري تتمتع به دون الحاجة لسابق تعليم اختارت المكان الأول قبل من الخامسة والنصف حتى الثامنة مساءا في كنف أحد الدكاكين يملكها أحد الطيبين في السوق المركزي للمدينة الذي يغلق أبوابه بالكامل مع تمام الثامنة لكنه مركز رهيب لتجمع العشرات أثناء ساعات العصر والمغرب ، مارة ، تجار ، عمال ومنمون يعودون إلى المناطق الريفية الساحرة المحاذية للمدينة كل هؤلاء يحتاجون الكسكس ورذاذ الدقيق المعد بالطريقة الأنيقة والمسمى محليا "باسي" يتفقد الزبون المعتاد "اطول عمرو" حزمة الكسكس التي أعتاد اقتناءها ـ ثمن مائة أوقية ـ قبل دقائق من نقل الجماعة المعتادة إلى إحدى القرى القريبة ، يملك 505 بيجو زرقاء ـ بالمناسبة ـ .
بعد اكتمال المغرب وموت الشفق تحمل "إنجيها" ما تبقى من بضاعتها في إنائها الكبير الخاص بالبضاعة إلى المستشفى حيث هناك ينتظرها زبناء آخرون يستعملون غالبا مادة العيش ويأخذون ما تبقى من البضاعة الأخرى ، هي غالبا تعود بإناء فاض وجيب ليس بالمملوء كثيرا ، ليس مملوءا إطلاقا ، يحوي ألفا أو ألفان وقد تزيد قليلا مع المزيد من الحظ .
في طريق العودة تقوم بعمليات حساب لما ستصرف فيه أموال الليل غدا ، هكذا تفعل كل مرة "500 حق الغداء ، 500 حق الدقيق ، 300 حق ـ لحجاب ـ ، 200 حق الفحم ، 500 حق الادخار  " ، هذا هو حسابها منذ شهرين ، منذ أصيب ابنها "علوه" ذي العشرين ربيعا بالحنون وتحول من شخص عامل وطموح ذي أفكار غريبة حول إمكانية الغنى الفاحش إلى شخص ثرثار مثبت خشية بطشه يصدر اصواتا مخيفة تجمع بين كل مكونات الطبيعة وأبطالها من الحيوانات المفترسة ، الطيور ، النعم ، وأحيانا يحاكي الأذان أو يغني ، كل ذالك يعني ـ فقط ـ أنه لم يعد ذالك الشخص المنهمك في العمل وصاحب الأفكار الغريبة حول التحول من الفقر إلى الثراء .
بعد سقوط "علوه" في أتون الجنون سقطت معه 300 أوقية ثمينة من المصروف اليومي للعائلة ، هناك "حجاب " وصل خبره بالتواتر لبائعة الليل وأشترط الـ 300 كحد أدنى للتعامل مع المجنون ، لم تكن لتمانع لأن معتقداتها تقول أن الحجاب يسأل والناس تعطي ـ دون جدال أو مماكسة ـ ، خشية على مستقبل المريض .
في إحدى جوانب الغرفة الثانية يقبع الراقص الذي تعلم أساليب الرقص الغربي وصار مساهما فعالا في إحدى عصابات المدينة التي تهتم بتقليد الحياة الغربية سواء في الحلاقة أو اللبس أو حتى الكلمات الفرنسية الركيكة التي يتبادلونها ، "سيداتي" هو الابن الثاني المسمى على عمه الذي لا يعرف عنه أحد خبرا يقينا إلا في قصص الأب الذي حدثهم عن بعض المغامرات التي انتشلته من عالمهم ونقلته إلى مكان ما من إفريقيا الأعماق وأنتهى خبره إلى اليوم .
تتوزع الغرفتان إلى عدة مناطق نفوذ داخل الأسرة بمعدل منطقة لكل واحد من الأولاد العشرة ، البنت الوحيدة التي حظيت بها بنت ودودة تحاول المساعدة قدر الإمكان لكنها مشغولة في الدراسة تشاركها تجارتها المسائية وأحيانا تحل محلها في مزاولة الطبخ ، تفعل أفضل ما بوسعها .
قبل العشرين عاما الماضية كانت بائعة الليلة تعيش في كنف العائلة قريبة العهد بفك قيد العبودية التي عانى منها أجدادها لقرون خلت رغم كل ذالك لم تحقد على أحد ولا تهتم بشيء أكثر من تربية أبنائها وإيصالهم ما وصلت إليه يوم زواجها ، لم تقطع رابطتها بالعائلة الجميلة التي تحتضن أسعد ذكرياتها في واحات العصابة عاشت ضمن عائلة معروفة بالاهتمام بالنخيل بأجر زهيد ومحصول نخلة لكل سنة ، أبوها أحد الأشخاص الثقة المستشارين في الواحة لدماثة خلقه وسداد رأيه وعاشت صداقات عديدة بقيت كذكريات تحتفظ بها حتى اليوم .
يستيقظ الجميع قبل الفجر بساعات تحت وطأة صياح "علوة" وتوعده لأشخاص وهميين بقتلهم وإنزال الأهوال بهم .
سيكون يوما حافلا بالنسبة لبائعة الليل ، في خيلاء يتجول "سيداتي" في أركان البيت باحثا عن مثبت الشعر الخاص به وقميصه البراق المزركش الذي ثبتت عليه صورة مغني البوب "مايكل جاكسون" فيما تصلي "إنجيها" الضحى قبل البدء في إعداد الغداء و الكسكس ورذاذ الدقيق "باسي" و"العيش" ، اربعة وجبات قبل المساء ، على أكناف دكان التاجر الطيب تقابل مغازلين على حياء بالطريقة البدوية التي لا تبين شيئا من فحوى الغزل غير أنه حديث بلا موضوع ولا سبب ، " اطول عمرو " أعتاد مغازلتها بتلك الطريقة البريئة التي تشعرها شيئا ما بأنوثة لعبت عليها عوامل العمر والوحدة بعد ثلاث سنين من وفاة الزوج المسكين ،
لديها مغازلين أيضا قرب المستشفى فغالبا ما يغازلها بنفس الطريقة الغامضة ـــ كلام في غير محله وبدون أسباب ـــ مالك العربة الذي يزود بالمياه بعض المنازل في الحي ، الكثير من الزبناء يشترون بصمت وأغلب المغازلين لا يشترون  يريدون تمضية بعض الوقت في الحديث فقط ، غير أن أحد المغازلين اليوم كانت لدية أغراض أخرى فبعد منتصف الليل بدقائق تحسست مكان الأموال تحت رداء القماش الرمادي البالي الذي تفترشه لتعثر فقط على 500 أوقية .
في الليلة التي صادفت طلوع البدر في ابهى حلله كانت تتعثر في الطريق الضيق مأسورة بسحر النور الخفيف النادر عائدة إلى البيت بعد منتصف الليل بقليل تسابقها الأحلام بليلة أخرى إلى حيث العش اللطيف الذي أعدته قبل عشرين سنة بعد زواجها بعام واحد في الجنوب الشرقي من مدينة كيفه حيث الأغلبية هناك أناس فقراء جدا ، لم تعد تدري الحساب وكيف سيمضي الغد لقد حفظت طريقة حساب واحدة فقط وهي كيفية تقسيم 2000 على تفاصيل اليوم أو لا توزع شيئا في الأصل هكذا تعودت دائما ، من الضروري 300 للحجاب ,وإلا لن يشفى "علوة" ، من الضروري 500 للدقيق وإلا لن تبيع شيئا في الغد ، من الضروري أن تصرف 500 في غداء الغد وإلا ستطاردها 10 معدات جائعة لا تعرف الأعذار ، يبدو أنها في ظل هذه الحيرة لن تنفق هذه الـ 500 وستضيفها إلى الادخار فذالك أرحم من التفكير في كيفية صرفها .
قبل ساعات الفجر كان "علوة" غاضبا كعادته ويتعهد جميع الشخصيات الوهمية في رأسه وكان وقت الاستيقاظ قد حان ، قامت "بائعة الليل" متثاقلة إلى الحمام الغير مسقف ثم عادت إلى عادتها القديمة وهي الوضوء من ماء القدر الذي يشبه الثلج ،  كانت العتمة تخالط كل الأشياء ناثرة الغموض الذي يسبق صباح المدينة الهادئة ، أطرقت حينا ثم حدثت نفسها :   
ـ "لاشيء مهم سآخذ من مدخراتي ".


ــــــــــــــــــــــــــــــــ عام 2012 ــــــــــــــــــــ